مصر متاحة للجميع: المؤشر الوطني للإتاحة الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة

 

تسعى مصر خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودعم دمجهم في المجتمع، إلا أن الدمج الحقيقي لا يرتبط فقط بالقوانين والتشريعات أو توفير بعض التسهيلات، وإنما يرتبط بقدرة الشخص ذي الإعاقة على الوصول إلى الأماكن والخدمات واستخدامها بسهولة واستقلالية وكرامة.

 

ومن هنا تأتي فكرة «مصر متاحة للجميع»، وهي مبادرة تهدف إلى إنشاء مؤشر وطني للإتاحة الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، لقياس مدى جاهزية الأماكن والخدمات المختلفة في مصر لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة بمختلف أنواعها.

 

في كثير من الأحيان يتم اعتبار المكان متاحًا للأشخاص ذوي الإعاقة لمجرد وجود منحدر للكراسي المتحركة، بينما قد يواجه الشخص الكفيف صعوبة في الحركة داخله، أو يواجه الشخص الأصم صعوبة في التواصل والحصول على المعلومات، كما قد تكون الخدمات الإلكترونية غير مهيأة بالشكل المناسب لبعض الأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة.

 

لذلك فإن مفهوم الإتاحة يجب أن يكون أكثر شمولًا، بحيث يشمل سهولة الوصول والحركة، وإمكانية الحصول على المعلومات، ووسائل التواصل، واستخدام الخدمات الإلكترونية، والتعامل مع الموظفين، والاستفادة من المرافق والخدمات بصورة مستقلة وآمنة.

 

وتقوم فكرة مؤشر الإتاحة الشاملة على وضع معيار وطني موحد يمكن من خلاله تقييم المؤسسات والمرافق والأماكن العامة والخاصة، مثل المستشفيات والجامعات والمدارس والمصالح الحكومية ووسائل النقل والأماكن السياحية والمراكز التجارية وغيرها.

 

ويتميز هذا المؤشر بأن الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم سيكونون جزءًا أساسيًا من عملية التقييم، لأن الشخص الذي يعيش تجربة الإعاقة هو الأقدر على اكتشاف العقبات التي قد لا تظهر في التقييمات التقليدية.

 

ومن خلال تجربة المكان أو الخدمة يمكن تسجيل مستوى سهولة الوصول والحركة والتواصل والحصول على المعلومات واستخدام الخدمات، ثم تحويل هذه التجربة إلى تقييم واضح يساعد على معرفة مستوى الإتاحة الفعلي لكل مكان.

 

ويمكن أن يحصل كل مكان على درجة محددة في مؤشر الإتاحة، توضح مدى قدرته على تقديم بيئة وخدمات مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، مع توضيح الجوانب التي تحتاج إلى تطوير وتحسين.

 

ولا تهدف الفكرة إلى تصنيف المؤسسات بهدف الانتقاد أو إظهار أوجه القصور، وإنما إلى توفير أداة عملية تساعد المؤسسات على معرفة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة والعمل على تطوير خدماتها وبيئتها بشكل مستمر.

 

كما يمكن أن يتحول مؤشر الإتاحة الشاملة مستقبلًا إلى قاعدة بيانات وطنية توضح مستوى الإتاحة في مختلف المحافظات، وتساعد الجهات المعنية على تحديد الاحتياجات والأولويات ووضع خطط أكثر دقة لتطوير المرافق والخدمات.

 

ويمكن كذلك إطلاق علامة وطنية للإتاحة تمنح للمؤسسات والأماكن التي تحقق مستويات محددة من معايير الإتاحة، بما يشجع مختلف الجهات على تحسين بيئتها وخدماتها وجعلها أكثر ملاءمة لجميع المواطنين.

 

وتتجاوز أهمية هذه الفكرة الأشخاص ذوي الإعاقة فقط، لأن توفير بيئة أكثر سهولة وإتاحة يفيد أيضًا كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون من إصابات مؤقتة وكل شخص يحتاج إلى استخدام الأماكن والخدمات بطريقة أكثر سهولة وأمانًا.

 

إن الهدف من «مصر متاحة للجميع» هو الانتقال من مفهوم توفير بعض التسهيلات للأشخاص ذوي الإعاقة إلى مفهوم أوسع يقوم على جعل الإتاحة جزءًا أساسيًا من تصميم المجتمع والخدمات منذ البداية.

 

فالإتاحة الحقيقية لا تعني فقط وجود منحدر أو مصعد، وإنما تعني أن يستطيع الشخص ذو الإعاقة الوصول إلى المكان، وفهم المعلومات، واستخدام الخدمة، والتواصل مع الآخرين، وإنجاز احتياجاته بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية والكرامة.

 

ومن هنا تأتي أهمية إنشاء مؤشر وطني للإتاحة الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، ليكون أداة عملية تساعد مصر على قياس مستوى الإتاحة بصورة واقعية، وتحويل تجارب الأشخاص ذوي الإعاقة إلى بيانات يمكن الاستفادة منها في تطوير الخدمات والمرافق وبناء مجتمع أكثر شمولًا.

 

مصر متاحة للجميع ليست مجرد فكرة لتطبيق إلكتروني، وإنما رؤية يمكن أن تساهم في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الإتاحة، من مجرد تجهيزات منفصلة إلى معيار أساسي في بناء وتطوير

المجتمع.

 

بقلم: أسامة خيري محمد